قدَر ذاكرة مذاقنا: مطبخ أمّنا
من أوّل الصِّلات التي يقيمها الإنسان مع العالم صلةٌ تبدأ على المائدة، ربّما من دون أن يدري.
نحن نعرف بعض الروائح قبل أن نتعلّم الكلام. رائحة الطعام الصاعدة من القدر، وصوت الزيت الحارّ، وخروج الخبز من الفرن، وذلك العبق الذي لا يوصف وهو ينتشر من يدَي أمّنا في المطبخ… وأوّل خريطةٍ للمذاق نحملها طوال العمر تُرسم في ذلك المطبخ تحديدًا.
وأيًّا كان المكان الذي نُولد فيه من هذا العالم، فإنّ المرجع الأول لمذاقنا هو الجغرافيا التي وُلدنا فيها، وثقافة الطعام في الأسرة التي ربّتنا. فالطعام ليس إشباعًا للبطن فحسب؛ إنه ذاكرةٌ وثقافةٌ وانتماء.
الطفل الذي يُولد في الهند يألف منذ طفولته كثافة البهارات وتمازج العُبُوق المختلفة. وللطفل الذي ينمو في اليونان تصبح أسماك البحر وزيت الزيتون والمذاقات البسيطة في مطبخ البحر المتوسط جزءًا طبيعيًا من حياته. أمّا الطفل الذي يُولد في تركيا فإنه يُولد داخل ثقافة مطبخٍ عمرها آلاف السنين.
ففي هذه الأرض تتّحد وصفاتٌ قديمة انتقلت من الحيثيين إلى السلاجقة، ومن العثمانيين إلى يومنا هذا، مع مذاقاتٍ لا تُعدّ يمنحها لنا اللحم والحَبّ والخضر والبهار والتراب.
المرجع الأخصّ
لكن حتى داخل ثقافة المطبخ العظيمة هذه كلّها، يبقى المرجع الأخصّ عند الإنسان أشدّ خصوصيةً في الغالب: الطعام الذي كانت تصنعه أمّه.
فالأطعمة التي أكلناها في الطفولة لا تشكّل مذاقنا وحده، بل تشكّل مشاعرنا أيضًا. ورائحة حساءٍ صنعته أمّ قد تحملنا إلى طفولتنا بعد سنواتٍ طويلة. وطبخةٌ في قدر، أو رزّ، أو محشي ورق عنب، أو كباب؛ قد يتحوّل إلى ذكرى لا نجد لها المذاق نفسه في أيّ مكانٍ آخر.
ولعلّ هذا هو السبب في أنّ الإنسان، مهما كبر وتعرّف على مطابخ العالم المختلفة، يقيس كلّ مذاقٍ بشيءٍ ما من دون أن يدري: «في بيتنا كانوا يصنعونه هكذا».
ذاكرة المذاق
نأكل طبقًا جديدًا. قد يكون بالغ الجمال. قد يكون بالغ الغلاء. قد يكون خارجًا من يد أشهر طُهاة العالم. لكنّ المقياس الأول في أذهاننا يبقى ذلك المرجع المذاقي الذي تكوّن في طفولتنا. فالحاسّة لا تتذكّر المذاقات وحدها، بل تتذكّر الحكايات أيضًا.
غير أنّ هنا فرقًا مهمًّا. فتطوّر مذاق الإنسان لا يعني أن يُغلق أبوابه في وجه المذاقات الجديدة. بل على العكس تمامًا، المذاق الجيّد يتعلّم أن يكتشف الجديد وهو يصون ماضيه.
وعندي أنّ ثقافة المطبخ الحقيقية تبدأ من هنا بالضبط. أن نفهم الجديد من دون أن ننسى القديم. أن نُحدّث طبقًا من دون أن نفقد روحه. أن نحترم، حين نغيّر وصفةً، الجغرافيا التي أنجبتها.
فقيمة الطبق لا تحدّدها الموادّ المستخدمة وحدها. فخلف ذلك الطبق جغرافيا، وأسرة، وتقليد، وذاكرةٌ تنتقل من جيلٍ إلى جيل.
مطعمنا الأوّل
ولعلّ هذا هو السبب في أننا، أيًّا كان المكان الذي نذهب إليه في هذا العالم، نعود في النهاية لنبحث عن مطبخنا. فكما تؤثّر الجغرافيا التي يُولد فيها الإنسان في قدَره، كذلك تشكّل الأطعمة التي عرفها في طفولته قدَر مذاقه.
وأوّل معلّمٍ لذلك القدَر ليس طاهيًا في الغالب، بل أمّنا. فمطبخ أمّنا هو مطعمنا الأوّل. ومعلّمتنا الأولى هي أمّنا. وقائمتنا الأولى هي مائدتها. وأوّل سطور ذاكرة المذاق التي سنطوّرها مدى الحياة تُكتب بالأطعمة الخارجة من يديها.
ولعلّ هذا هو السبب في أنّ الإنسان لا يبحث عن وصفة بعض الأطعمة، بل عن يد أمّه. فبعض المذاقات لا تُصنع بوصفة؛ بعض المذاقات تُتذكَّر.
كل المقالات